كيف بدأ الغربيون يعلّمون المسلمين الإسلام؟

canva download (10)

رمضان أحمد

كيف بدأ الغربيون يعلّمون المسلمين الإسلام؟ بقلم: رمضان أحمد قد يبدو عنوان هذا المقال غريباً أو مستفزاً للوهلة الأولى، لكنه يعبر عن ظاهرة آخذة في التشكل أمام أعيننا. فقد أصبح عدد من الشباب الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام حديثاً يتناولون القرآن الكريم ويفهمون مبادئه بطريقة مختلفة عن الطريقة التي اعتاد عليها كثير من المسلمين بالميلاد. ولا تكمن المفارقة في أن هؤلاء دخلوا الإسلام حديثاً فحسب، بل في أن بعضهم بدأ يكتشف في القرآن أبعاداً حضارية وإنسانية واجتماعية تتجاوز الصورة الضيقة التي كرستها ممارسات دينية وسياسية معينة. ومن هنا يبرز السؤال: هل بدأ بعض المسلمين الجدد في الغرب يعيدون تقديم الإسلام إلى المسلمين أنفسهم، لا باعتباره مجموعة من الشعائر فحسب، وإنما باعتباره منظومة متكاملة لبناء الإنسان والمجتمع والدولة؟ يحاول هذا المقال مناقشة عدد من العوامل التي أثرت في فهم المسلمين للدين خلال العقود الماضية، في مقابل عوامل أخرى غابت نسبياً عن تجربة بعض المسلمين الجدد في الغرب. كما يتناول التأثير المحتمل لهؤلاء النشطاء والمفكرين على النقاش العالمي حول الإسلام، خصوصاً في ظل تراجع الثقة في كثير من مكونات المنظومة الغربية المهيمنة، وتزايد حضور هذا النقاش خارج المؤسسات الدينية التقليدية.

الإسلام في ظل الهيمنة الغربية خلال القرن الماضي، فرضت الرؤية الغربية للحياة السياسية والثقافية والفكرية نفسها على واقع معظم البلدان الإسلامية. ولم يقتصر التأثير على أنظمة الحكم والاقتصاد والتعليم، بل امتد إلى الطريقة التي يفهم بها المسلمون دينهم ومؤسساته ومفاهيمه الكبرى. فالشورى الإسلامية كثيراً ما جرى تفسيرها من خلال نموذج الديمقراطية الغربية، وأصبح الاقتصاد الإسلامي يُناقش أو يُمارس داخل الأطر العامة للنظام الاقتصادي العالمي القائم، بينما خضعت الحياة الثقافية والتعليمية لمعايير مستوردة لا تنسجم دائماً مع الخصوصية الحضارية للمجتمعات الإسلامية. ولا يعني ذلك أن الاستفادة من التجارب الإنسانية أمر مرفوض، أو أن الديمقراطية والاقتصاد الحديث والتعليم المعاصر لا قيمة لها، وإنما تكمن المشكلة في تحويل النموذج الغربي إلى معيار وحيد تُقاس عليه كل الأفكار والتجارب، بحيث يُنظر إلى ما لا يشبهه باعتباره متخلفاً أو غير صالح. وبمرور الوقت، أصبح المسلم في كثير من البلدان يقرأ دينه من خلال مفاهيم صيغت خارج سياقه الحضاري، بدلاً من أن ينطلق من النص القرآني ومن مقاصد الدين، ثم يستفيد بعد ذلك من التجارب الإنسانية المختلفة. الاستبداد السياسي وتشكل الفهم الديني تزامنت الهيمنة الثقافية والفكرية الغربية مع صعود أنظمة استبدادية في عدد من البلدان الإسلامية، تولت الحكم في كثير من الأحيان ضمن ترتيبات سياسية وأمنية مرتبطة بمصالح القوى الخارجية أو بالنخب المحلية الحاكمة.

وفي ظل هذه الأنظمة، لم يكن التعليم الديني بمنأى عن التأثير السياسي. فقد جرى التركيز على جوانب محددة من الإسلام، وتقديمها باعتبارها الدين كله، بينما جرى تجاهل أو تهميش جوانب أخرى ذات أهمية، لأنها قد تتعارض مع مصالح السلطة السياسية أو العسكرية أو العائلية، أو مع المنظومة الدولية السائدة. وهكذا، قد يُحتفى بالطاعة باعتبارها جوهر الدين، بينما تُهمَّش قيم العدل والشورى والمساءلة وكرامة الإنسان. وقد تُبرز بعض الأحكام الجزئية بصورة منفصلة عن مقاصدها وسياقها، فيتحول الدين من منظومة متكاملة إلى أدوات خطابية تستخدمها السلطة عند الحاجة.

ومن الأمثلة على ذلك أن بعض الأنظمة ترفع شعار تطبيق الشريعة، لكنها تتعامل مع أحكامها بطريقة انتقائية؛ فتشدد في العقوبات والإجراءات الأمنية، بينما لا تولي القدر نفسه من الاهتمام للعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، وصيانة المال العام، وضمان استقلال القضاء، وحماية حقوق الضعفاء. من الدين الحي إلى الصورة المظهرية أدى هذا المسار إلى تضييق مفهوم الإسلام، بل وتشويهه في بعض الحالات. فعندما تُقارن المؤسسات الدينية بالمدارس الحديثة، كثيراً ما يُفترض تلقائياً أن الأولى تمثل الماضي، وأن الثانية تمثل المستقبل، من دون تقييم موضوعي لما تقدمه كل مؤسسة من معرفة ومهارات وقيم. وقد انعكس ذلك أيضاً على خريجي المعاهد الدينية، إذ يُنظر إليهم أحياناً باعتبارهم أقل إنتاجاً أو أقل ارتباطاً بحاجات المجتمع، بينما يحظى خريجو التخصصات الحديثة بمكانة اجتماعية ومهنية أعلى.

وهذه المقارنة غير العادلة تتجاهل أن المجتمع يحتاج إلى الطبيب والمهندس والاقتصادي، كما يحتاج إلى الفقيه والمفكر والمربي والمؤرخ، وأن النهضة الحقيقية لا تقوم على إقصاء مجال معرفي لصالح مجال آخر، بل على التكامل بين مختلف العلوم. كما أن التاريخ الإسلامي كثيراً ما يُدرّس بطريقة انتقائية ومشوهة، فيخرج الطالب بانطباع أن تاريخ المسلمين سلسلة من الصراعات والانقسامات، في مقابل صورة مثالية ومضيئة للتاريخ الغربي. وبذلك ينشأ نوع من الانبهار بالآخر مقروناً باحتقار الذات، بدلاً من تكوين وعي نقدي قادر على رؤية الإيجابيات والسلبيات في التجربتين. وعندما تُذكر الشريعة الإسلامية، يقفز إلى الذهن لدى كثيرين التطبيق القاسي أو المشوه لبعض العقوبات من جانب أنظمة استبدادية، مع أن الشريعة في جوهرها لا تنفصل عن العدل والرحمة وصيانة الكرامة الإنسانية وتحقيق المصلحة العامة. وقد استُخدمت بعض القوانين ذات الطابع الديني في أحيان كثيرة لمعاقبة الخصوم السياسيين أو لإحكام السيطرة على المجتمع، الأمر الذي أسهم في ربط الإسلام في أذهان البعض بالقمع بدلاً من ربطه بالعدل.

المسلمون الجدد والعودة المباشرة إلى القرآن في المقابل، يبدو أن كثيراً من المسلمين الجدد، ولا سيما من الشباب الغربيين، بدأوا رحلتهم مع الإسلام من خلال قراءة القرآن الكريم بصورة مباشرة، من دون المرور بالضرورة عبر الموروث السياسي أو المؤسسات الدينية أو الجماعات الإسلامية التي شكلت صورة الدين في بعض المجتمعات المسلمة. وهذا لا يعني أنهم يقرأون القرآن خارج أي سياق ثقافي أو معرفي، لكنه يعني أن تجربتهم الأولى قد تكون أقل ارتباطاً بالصراعات التاريخية والسياسية التي أثرت في فهم المسلمين بالميلاد. فهم لا يرثون بالضرورة الخصومات المذهبية أو الانقسامات الحزبية أو الصور النمطية التي تراكمت حول الإسلام، بل يقتربون من النص باعتباره خطاباً موجهاً إلى الإنسان. ومن هذه الزاوية، قد تبدو تجربتهم أقرب إلى تجربة الإنسان الذي يسمع القرآن للمرة الأولى، فيتفاعل مع معاني التوحيد والعدل والرحمة والمسؤولية والحرية والكرامة، قبل أن تحيط به التعقيدات التاريخية والمؤسسية التي نشأت حول الدين.

لماذا يقرأ الغربيون القرآن؟ تختلف دوافع الغربيين الذين يقرؤون القرآن. فبعضهم يبدأ قراءته بدافع الفضول أو الرغبة في اختبار ما يسمعه عن الإسلام، وربما بهدف مناقشة المسلمين أو تحديهم. وبعضهم يقرأه نتيجة اهتمامه بالحروب والصراعات في العالم الإسلامي، أو رغبة في فهم خلفيات الأحداث التي تتناولها وسائل الإعلام. وقد دفعت القضية الفلسطينية، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة، أعداداً من الناس إلى إعادة النظر في الصور النمطية التي تكونت لديهم عن الإسلام والمسلمين. فمشاهد المعاناة الفلسطينية، إلى جانب صمود الفلسطينيين وتمسك كثير منهم بهويتهم الدينية والوطنية، أثارت لدى بعض المتابعين سؤالاً عن مصدر هذا الصبر وعن المرجعية الأخلاقية والروحية التي يستند إليها هؤلاء. وهكذا، قد يبدأ القارئ الغربي من سؤال سياسي أو إنساني، ثم ينتقل إلى قراءة القرآن بحثاً عن تفسير أعمق. وقد يدخل من باب القضية الفلسطينية، لكنه يجد نفسه أمام أسئلة تتعلق بالعدل والظلم والحرية والمسؤولية الأخلاقية وطبيعة العلاقة بين الإنسان والسلطة. اكتشاف البعد الحضاري والأخلاقي من اللافت أن بعض المسلمين الجدد لا يتوقفون عند الأحكام الفردية أو الشعائر، بل يحاولون قراءة الإسلام بوصفه منظومة حضارية وأخلاقية متكاملة. فقد يتساءل أحدهم عن أثر تطبيق مبادئ إسلامية مثل تحريم الربا، ومكافحة غسل الأموال، وتجريم الاتجار بالبشر، والحد من القمار والاستغلال الجنسي والفساد، في الاقتصاد العالمي وحياة الفقراء. وقد يرى أن جزءاً كبيراً من الثروة العالمية يُهدر في أنشطة مدمرة للإنسان والمجتمع، وأن توجيه هذه الموارد نحو التعليم والصحة والإنتاج يمكن أن يغير حياة الملايين. وقد يركز آخر على البعد الإنساني في القرآن، فيرى أن تعاليمه قادرة على تعزيز الرحمة والصدق والأمانة والعدل في العلاقات الخاصة والعامة. وقد يقترح ثالث الاستفادة من المبادئ الإسلامية في صياغة قواعد أكثر عدلاً للعلاقات الدولية والتجارة العالمية، بحيث لا تقوم العلاقات بين الدول على القوة والمصلحة المجردة وحدهما، بل تراعي أيضاً المسؤولية الأخلاقية وحقوق الشعوب. ولا تعني هذه الأمثلة أن كل مسلم جديد يتبنى الرؤية نفسها، أو أن قراءاتهم خالية من التباين أو النقص، لكنها تكشف عن اتجاه مهم: الانتقال من النظر إلى الإسلام باعتباره هوية موروثة إلى النظر إليه باعتباره مشروعاً أخلاقياً وحضارياً قابلاً للفهم والتطبيق في قضايا العصر.

ما الذي يميز تجربة بعض المسلمين الجدد؟ قد يكون أبرز ما يميز بعض المسلمين الجدد أنهم يتعرفون إلى الإسلام قبل أن يتعرفوا إلى الصور السياسية والاجتماعية التي التصقت به في بعض البلدان الإسلامية. فهم يبدؤون من النص والقيم، ثم يحاولون فهم الواقع في ضوئها، بدلاً من أن يبدأوا من واقع مشوه ثم ينسبوه إلى الدين. إنهم يرون في الإسلام منظومة تهتم بالإنسان، وتربط العبادة بالمسؤولية، والإيمان بالعمل، والأخلاق بالاقتصاد، والعدل بالحكم، والحرية بالكرامة. وهذه القراءة تبرز البعد الحضاري للإسلام، بوصفه رؤية لبناء المجتمع والدولة، لا مجرد مجموعة من المظاهر والشعائر. أما بعض المسلمين الذين نشأوا في ظل أنظمة استبدادية، فقد اعتادوا رؤية الدين من خلال الإطار الذي رسمته السلطة أو الجماعة أو المؤسسة التقليدية. ولذلك قد يختزلون الإسلام في المظهر الديني، أو في الالتزام الشكلي بالشعائر، من دون استحضار كافٍ لعلاقته بالعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، وإدارة الدولة، وحماية المال العام، وتحقيق التنمية.

وهنا تكمن المفارقة: قد يكتشف شخص غربي الإسلام من خلال قيمه الكبرى، بينما يتعامل معه مسلم بالميلاد من خلال صورته السياسية أو الاجتماعية الموروثة. فلسطين وكسر الصورة النمطية لا يمكن تجاهل الدور الذي أدته الأحداث الكبرى في الشرق الأوسط في إعادة تشكيل نظرة قطاعات من المجتمعات الغربية إلى الإسلام والمسلمين. فقد ساهمت التغطية الإعلامية المنحازة، على مدى عقود، في تقديم الإسلام باعتباره مصدراً للعنف أو التطرف، وربط المسلمين بصورة نمطية سلبية. لكن استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وما رافقه من قتل وتهجير ودمار ومعاناة واسعة للفلسطينيين، دفع كثيراً من الناس إلى مراجعة الروايات التي تلقوها سابقاً. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الجمهور قادراً على متابعة شهادات وصور وتحليلات من مصادر متعددة، لا من المؤسسات الإعلامية التقليدية وحدها. وأدى ذلك إلى كشف التناقض بين الخطاب المعلن عن حقوق الإنسان وبين الممارسات الفعلية على الأرض، كما أدى إلى اتساع النقد الموجه إلى الصهيونية وسياسات الاحتلال، وإلى إعادة طرح الأسئلة حول علاقة الغرب بالإسلام والمسلمين.

ومن الطبيعي أن تختلف مواقف الناس ودوافعهم، لكن النتيجة المهمة هي أن بعضهم بدأ يقرأ القرآن لا من خلال الدعاية السلبية عنه، بل من خلال البحث عن القيم التي تمنح الإنسان القدرة على مقاومة الظلم والصمود أمامه. التأثير المتزايد عبر وسائل التواصل الاجتماعي ينتشر الإسلام اليوم في بعض الأوساط الغربية عبر شبكات جديدة من المؤثرين والنشطاء وأساتذة الجامعات والمثقفين، بعيداً نسبياً عن المؤسسات الدينية التقليدية. وتتيح وسائل التواصل الاجتماعي لهؤلاء تقديم أفكارهم بلغة مبسطة، وربط النصوص القرآنية بقضايا معاصرة مثل العدالة الاجتماعية، والعنصرية، والاستعمار، والحرب، والاقتصاد، والبيئة، والعلاقات الدولية. كما تتيح لهم مخاطبة جمهور واسع لا يزور المساجد أو المراكز الإسلامية، ولا يقرأ الكتب الدينية المتخصصة. ومن أمثلة ذلك أن شاباً غربياً قد يشرح آية عن العدل في سياق الحديث عن العنصرية، أو يتناول تحريم الظلم عند مناقشة الاستعمار، أو يربط مفهوم الأمانة بمكافحة الفساد، أو يشرح قيمة التكافل في سياق الفقر وعدم المساواة. وبهذه الطريقة يصبح القرآن حاضراً في النقاش العام بوصفه مصدراً للأفكار والقيم، لا مجرد نص يُتلى في المناسبات الدينية. ومع ذلك، فإن هذا المسار يحتاج إلى وعي ونقد؛ فسهولة الوصول إلى الجمهور لا تعني بالضرورة عمق المعرفة، وبعض التفسيرات قد تكون سطحية أو انتقائية. لذلك فإن التحدي يتمثل في الجمع بين الحماس والوضوح من جهة، والعلم والتوازن واحترام التخصص من جهة أخرى.

هل يأتي الإسلام إلى المسلمين من الغرب؟ إذا استمرت هذه الظاهرة في النمو، فقد نشهد مفارقة تاريخية تتمثل في أن بعض المسلمين في الغرب سيعيدون تقديم الإسلام إلى المسلمين في البلدان الإسلامية، لا باعتباره أداة للصراع السياسي أو غطاءً للاستبداد، وإنما باعتباره منظومة للعدل والرحمة والحرية والكرامة والتنمية وبناء المجتمع. وقد لا يكون المقصود أن يأتي الإسلام جغرافياً من الغرب، وإنما أن تأتي منه قراءة جديدة تعيد المسلمين إلى جوهر الرسالة، وتحرر فهمهم للدين من التشوهات التي صنعتها السياسة والاستبداد والصراعات المؤسسية. وربما يكون الدرس الأهم هو أن المسلم، سواء كان بالميلاد أو بالاعتناق، يحتاج إلى أن يقرأ القرآن قراءة حية ومسؤولة، وأن يميز بين الإسلام باعتباره رسالة وقِيماً ومقاصد، وبين التجارب التاريخية والسياسية التي ادعت تمثيله ولم تكن دائماً وفية لجوهره. فإذا استطاع المسلمون استعادة هذا التمييز، فقد لا يكون السؤال: «كيف بدأ الغربيون يعلّمون المسلمين الإسلام؟» سؤالاً ساخراً أو مستفزاً، بل دعوة إلى مراجعة الذات، وإلى اكتشاف ما قد يكون الآخر قد رآه في كتابنا، بينما حالت العادة والصراع السياسي والتشويه التاريخي دون أن نراه نحن.

canva download (18)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top