استراحة برلمانية

gasim

البرلمان الأفريقي.. فرصة جديدة لتعزيز الجسر العربي–الأفريقي

بقلم: د. قاسم بشير حامد

في قلب مدينة ميدراند بجنوب أفريقيا، وعلى مسافة قريبة من جوهانسبرغ، ينهض البرلمان الأفريقي بوصفه إحدى المؤسسات الرئيسية للاتحاد الأفريقي، ومنبراً قارياً يجسد تطلعات الشعوب الأفريقية نحو مزيد من التكامل والتعاون والوحدة، ومنذ إنشائه، ظل البرلمان يشكل مساحة للحوار بين البرلمانات الوطنية ومناقشة القضايا التي تمس مستقبل القارة والعمل تدريجياً نحو تعزيز الإطار التشريعي والمؤسسي للاتحاد الأفريقي.

ويضم البرلمان الأفريقي ممثلين عن الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، حيث ترسل كل دولة خمسة أعضاء من برلمانها الوطني، مع مراعاة تمثيل المرأة، شريطة أن يكون البرلمان الوطني منتخباً، ولا تقتصر أهمية العضوية على المشاركة في جلسات البرلمان ومناقشاته، وإنما تمتد إلى تشكيل مواقف وتوجهات سياسية وبرلمانية يمكن أن يكون لها أثر في مسيرة التكامل الأفريقي.

ولعل من أبرز جوانب العمل البرلماني الأفريقي الدور الذي تؤديه المجموعات والكتل الإقليمية في تشكيل التوازنات داخل المؤسسة، فالتكتلات المرتبطة بأقاليم القارة المختلفة تمثل عاملاً مهماً في التوافق حول القضايا الرئيسية، وفي مقدمتها انتخاب قيادة البرلمان، ويتولى قيادة المؤسسة مكتب للرئاسة يضم الرئيس وأربعة نواب للرئيس، يتم انتخابهم من بين أعضاء البرلمان، وفقاً للأطر والإجراءات المنظمة لعمله.

وتكتسب التوازنات الإقليمية أهمية خاصة في عملية اختيار قيادة البرلمان، إذ جرى، وفقاً للممارسة البرلمانية والتوافقات السياسية داخل الاتحاد الأفريقي، مراعاة التمثيل الجغرافي بين أقاليم القارة وهذا التوازن لا يعكس مجرد توزيع للمناصب، بل يمثل في جوهره محاولة للحفاظ على وحدة الرؤية الأفريقية وإتاحة المجال لمختلف مناطق القارة للمشاركة في قيادة مؤسساتها القارية.

ومن هنا تبرز أهمية الرئاسة الحالية للبرلمان الأفريقي، التي جاءت من إقليم شمال أفريقيا، وما تحمله من دلالات بالنسبة للعلاقات العربية–الأفريقية، فوجود قيادة عربية في مؤسسة برلمانية قارية بهذا المستوى يوفر فرصة مهمة لإعادة التفكير في طبيعة الحضور العربي داخل المؤسسات الأفريقية، والانتقال به من مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية إلى شراكة سياسية واقتصادية وبرلمانية أكثر فاعلية.

إن العالم العربي والقارة الأفريقية ليسا فضاءين منفصلين؛ فبينهما امتدادات تاريخية وجغرافية وثقافية واقتصادية عميقة، كما أن العديد من القضايا التي تواجه الجانبين تتقاطع بصورة مباشرة، من الأمن والتنمية والتجارة والاستثمار، إلى الطاقة والغذاء والسياحة والهجرة والتعليم، ولذلك فإن تعزيز الحضور العربي في المؤسسات الأفريقية يمكن أن يسهم في بناء جسور جديدة للمصالح المشتركة، بعيداً عن العلاقات الموسمية أو ردود الفعل المرتبطة بالأحداث الطارئة.

ومن هذا المنظور، يمكن للدول العربية أن تنظر إلى البرلمان الأفريقي باعتباره مساحة إضافية للدبلوماسية البرلمانية، تتيح التواصل المباشر مع البرلمانات الأفريقية وصانعي القرار، وتدعم طرح المبادرات التي تخدم المصالح المشتركة للشعوب العربية والأفريقية. كما يمكن للبعثات الدبلوماسية العربية أن تضطلع بدور أكبر في التعريف بفرص التعاون والاستثمار وتشجيع التواصل بين المؤسسات البرلمانية ومراكز البحوث والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة بالنسبة إلى جنوب أفريقيا ومنطقة الجنوب الأفريقي، التي تمثل أحد أهم المراكز الاقتصادية والسياسية في القارة، فضلاً عن الدور المحوري الذي تضطلع به مجموعة «سادك» في منظومة التكامل الإقليمي. ومن شأن توسيع التعاون العربي مع هذه المنطقة أن يفتح آفاقاً جديدة في مجالات التجارة والاستثمار والسياحة والطاقة والبنية التحتية، وأن يمنح العلاقات العربية–الأفريقية بعداً أكثر مؤسسية واستدامة.

ولعل «الاستراحة البرلمانية» هنا ليست استراحة من العمل، وإنما وقفة للتأمل في سؤال أكبر: كيف يمكن تحويل التقارب العربي–الأفريقي من علاقات متفرقة إلى شراكة استراتيجية حقيقية؟ قد يكون البرلمان الأفريقي إحدى المنصات التي تساعد على الإجابة عن هذا السؤال، إذا ما جرى استثمارها بصورة أكثر فاعلية من خلال الدبلوماسية البرلمانية والتنسيق السياسي والانفتاح الاقتصادي والثقافي.

إنها فرصة تستحق أن تُقرأ بعيون جديدة، وأن تتحول من مجرد حضور عربي في مؤسسة أفريقية إلى جسر مؤسسي متين بين عالمين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح والمستقبل المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top